أطفال داعش معضلة إنسانية: جيل بدون هوية

أطفال داعش معضلة إنسانية: جيل بدون هوية

بقلم خالد فتح

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية في ٢٣ آذار ٢٠١٩ القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية المعروفة اختصاراً باسم (داعش)، وإنهاء ما يسمى بدولة الخلافة الإسلامية في سورية وجاء هذا التحرير بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بعد نجاح هذه القوات بطرده من آخر معاقله في منطقة الباغوز التي تقع في شرق محافظة دير الزور في سوريا. هذا الإعلان جاء بعد حوالي خمسة عشر شهراً من إعلان دولة العراق تحرير جميع أراضيها من سيطرة تنظيم داعش.

إن هزيمة التنظيم عسكرياً وإنهاء وجوده جغرافياً في كلا البلدين لا يعني بشكل مطلق القضاء على جميع التأثيرات السلبية التي خلفها هذا التنظيم ورائه، بل تأثيره ما زال يشكل تهديداً حقيقياً سواء من خلال تواجد مقاتلي التنظيم الفارين في صحراء الجزيرة بين العراق وسوريا أو من خلال استمرار أيديولوجيته وأفكاره المتطرفة والتي مازالت تحظى ببعض التأييد من قبل بعض عشائر المنطقة الشرقية لسوريا والغربية في العراق بالإضافة إلى آلاف السجناء من المقاتلين الموجودين في قبضة وسجون قوات سوريا الديمقراطية والتي ترفض بلدانهم عودتهم إليها الى جانب عوائلهم من نساء وأطفال المحتجزون في مخيمات اللاجئين. بالإضافة الى ذلك، لا تزال تتأثر الأقليات المسيحية واليزيدية بعواقب حملة الإبادة الجماعية التي تعرضت لها وخاصةً في قضاء سنجار والمناطق المحيطة به.

اليزيديون أو الإيزيديون هم أكراد يتكلمون اللهجة الكردية الكرمانجية ويستندون في تفسيراتهم الدينية على ما يعرفونه بالنصوص المقدسة. وتعتبر هذه النصوص متوارثة بين اليزيديين منذ سنين وهم أقلية دينية مسالمة تعيش منذ آلاف السنين في المناطق المعروفة باسم بالميزوبوتاميا (حضارة ما بين النهرين) وهم منتشرون في عدة بلدان من الشرق الأوسط مثل تركيا وسوريا وأرمينيا وجورجيا ولكن الأكثرية منهم متواجدة في العراق حيث يقدر عددهم بأكثر من نصف مليون نسمة متوزعون في قضاء سنجار( شنكال) إلى الغرب من مدينة الموصل ومنطقة سهل نينوى في شرق الموصل حيث يوجد فيها معبد "لالش" وهو يعتبر المعبد الأكثر تقديساً ويقع في منطقة شيخان في محافظه دهوك.

تعرض اليزيديون منذ القدم إلى حملات إبادة مستمرة ولكن أكثرها بدأت في القرن الخامس عشر في عهد الإمبراطورية العثمانية وصراعها الطويل مع الدولة الصفوية وبالرجوع إلى المصادر التاريخية فقد تعرض اليزيديون إلى ثلاثة وسبعين حملة إبادة أو كما كان يطلق عليها "الفرمانات" وكلمة فرمان تعني (القرار) والتي كانت تصدر من الجهات العليا في الدولة العثمانية وحملات مدعومة من الدولة الصفوية وآخر هذه الحملات ارتكبت من قبل إرهابيو تنظيم الدولة الإسلامية في شهر آب من عام ٢٠١٤ بعد أن استولوا على مساحات واسعة من سوريا و العراق و أعلنوا مدينتا الرقة في سوريا والموصل في العراق عاصمتا الدولة الإسلامية لخلافتهم المزعومة.

الهجوم على سنجار

بعد شهرين من استلاء مقاتلي التنظيم المتطرف على الموصل ثاني أكبر مدن العراق هاجم الإرهابيون كل من قضاء سنجار والمناطق التابعة له على الحدود السورية في الثالث من شهر آب من عام ٢٠١٤ حيث قام التنظيم بقتل كل من كان هناك من الرجال والبالغين من الشباب وخطفوا النساء والفتيات الصغيرات والأطفال واعتبرهن مع الأطفال سبايا وغنائم حرب وكانت السيدة نادية مراد سفيرة النوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة حالياً والحائزة على جائزه نوبل للسلام من بينهم وإحدى ضحايا هذه الممارسات الوحشية من قبل إرهابيو داعش ضد اليزيديين في سنجار. السيدة مراد كانت من أوائل الضحايا التي سلطت الضوء على معاناة اليزيديات المختطفات. وبحسب نهج تنظيم داعش المتطرف اعتبر اليزيديين كفار وأن قتلهم حلال وبهذا النهج قاموا في الأيام الأولى من هجومهم بقتل أكثر من ١٢٠٠ مدني بريء ومن بعدها توالت عمليات القتل سواء الفردية والجماعية وذلك خلال الأيام والشهور والسنوات التي تلتها حيث تم اكتشاف واحد وسبعين مقبرة جماعية بحسب مديرية شؤون الأزيديين التابعة لحكومة إقليم كردستان العراق وما زال البحث جارياً عن المزيد من المقابر سواء الجماعية أو الفردية التي استخدمها التنظيم لإخفاء جريمته والأعداد الكبيرة من الضحايا اللذين تم تصفيتهم وقتلهم.

في شهر أيلول من عام ٢٠١٥ قامت قوات البيشمركة كردستان وبدعم من التحالف الدولي بقيادة أمريكا بتحرير قضاء سنجار من سيطرة التنظيم الإرهابي والذي خلف ورائه دماراً هائلاً. ومازال مصير الكثير من المخطوفين والمخطوفات حتى الآن وبعد مرور أربع سنوات على التحرير مجهولاً على الرغم من هروب أو تحرير أكثر من ٣٣٠٠ شخص ومنهم ١١٦٥ امرأة وكانت آخر الناجيات محتجزات في منطقة الباغوز السورية والتي تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحريرها.

بعد التحرير عادت الكثير من النساء المخطوفات إلى عوائلهن بعد معاناة نتيجة سوء المعاملة والتعذيب والاتجار والاغتصاب وهن يحملن أمراضاً نفسية وجسدية ومنهن من كانت حامل أو كن قد أنجبن أطفالاً نتيجة عمليات الاغتصاب التي تعرضنا لها، ولكن بالنسبة لهؤلاء النساء فلقد تضاعفت معاناتهن بعد التحرير بسبب أطفالهن اللذين قد أنجبنهن نتيجة عمليات الاغتصاب أو العلاقات التي فرضت عليهن من قبل مقاتلي تنظيم داعش. هؤلاء النسوة مع أطفالهن واجهوا خياريين كلاهما أصعب من الآخر وما كان عليهن إلا الاختيار، فإما العودة لعائلاتهن وترك أطفالهن في دور الايتام التي تديرها حكومة إقليم كردستان أو البقاء في مناطق السيطرة الكردية في شمال شرق سوريا والحفاظ على أطفالهن وترك عوائلهن.

قصة الفتاة ذات السبعة عشر عاماً

هذه الفتاة التي لم تبلغ سن الرشد بعد وحفاظاً على خصوصيتها الشخصية عرفت عن نفسها (ه .م) وتحدثت لباحثة لدى مجموعة نافانتي عن رحلتها المؤلمة بعد أن هاجم إرهابيو تنظيم الدولة الاسلامية مدينة سنجار في صيف ٢٠١٤ حيث تم اختطافها مع آلاف الفتيات والنساء اليزيديات وقالت: أنا الوحيدة من أسرتي التي لم اتمكن من الهرب فتم القبض علي مع مجموعة أخرى من النساء حيث تم تجميعنا في بناء ضخم في مدينة تلعفر، حيث كان المكان مزدحماً والأطفال يصرخون من الخوف لا أحد منا يستوعب كيف أن حياتنا قد تغيرت في غضون عدة أيام وأن المستقبل بات غير واضح. كان قادة داعش يأتون كل يوم ويأخذون مجموعة من النساء وكان من بين هؤلاء القادة من يتحدث العربية باللهجة العراقية ومنهم من يتحدث بلهجات أخرى وأخرون كانوا يتحدثون بلغات لم نفهمها، وفي غضون أسابيع تم إرسالي مع مجموعة إلى مدينة الموصل في رحلة لا أعرف إذا كنت قادرة على وصفها برحلة حياة أو موت فهذه الرحلة استمرت سنتين ونصف السنة عشت فيها أشد العذاب من ضرب وإهانة. لقد تم بيعنا عده مرات من قبل عناصر التنظيم حيث يستطيع العنصر من داعش في حال الملل من المرأة التي يملكها أن يقول لها لقد أهديتك إلى صديقي وفي كل مرة كنا نلتقي أناس جدد وأساليب جديدة من الإهانات سواء الجسدية أو النفسية. كانوا يضربوني ويهينوني باستمرار وتعرضت للاغتصاب من قبل كل من اشتراني وعندما لم يعودوا بحاجتي كانوا يقومون ببيعي بمبلغ من المال. في آخر أربعة عشر شهراً بقيت مع مقاتل واحد من داعش وكان من أهل الموصل لقد كان متزوجاً وكان أفضل من غيره في تعامله معي وفي النهاية تزوجني ولكن كانت معاملة عائلته وزوجته الأخرى معي سيئة جداً وبقيت في بيته في مدينة الموصل الى أن أنجبت طفلة سميتها ( ه. ب). لقد حاولت الهرب عدة مرات ولكن كان من الصعب ان تنجو منهم ولم يكن لي خيار سوى أن أبقى في بيته فهو أقل سوءاً من غيره وفي الأيام الأخيرة من معارك تحرير الموصل عرفت بانه قد انجرح فبقيت في الموصل الى ان تم تحريرنا أنا و ابنتي من قبل الحشد الشعبي. في تلك الفترة لم أعرف مصير عائلتي إلى أن التقيت بهم في مخيم في مدينه زاخو.

على كل حال فإن قصتي مع الألم لم تنتهي مع لقائي بعائلتي ومجتمعي فقد كانت نظراتهم تجرحني وإن كانت هذه النظرات في بعض الأحيان بريئة. وكون طفلتي من مقاتل داعش فقد كان العار يلاحق عائلتي دوماً. لقد كانوا يأخذون النساء المحررات إلى معبد لالش حيث يقوم بابا شيخ (المرجع الديني الأعلى عند الإيزيديين) بتعميد الناجيات ولقد عمدني ولكنه لم يعمد ابنتي. وهنا أصبحت في وضع كان علي الاختيار بين أحد الخيارين وكلاهما صعبين فإما أن أتخلى عن ابنتي وأبقى مع عائلتي أو أن أذهب وأعيش معها في إحدى دور الرعاية الخاصة بعيداً عن عائلتي ومجتمعي. وفي النهاية لقد اضطررت أن أتخلى عن ابنتي وعرفت بأن عائلة طيبة من مدينة هولير(أربيل) قد تبنوها. ومنذ لحظت ابتعادي عن ابنتي وأنا أشعر بأن روحي خرجت من جسدي.

الوضع القانوني

يشكل الأطفال القادمون مع النساء اليزيديات تحدياً كبيراً وأكثر تعقيداً، ففي العقيدة اليزيدية يجب أن يكون كلا الوالدين يزيديآ لكي يكون جزء من المجتمع وعلى الرغم من أن الدستور العراقي يعطي حرية العقيدة والممارسة الدينية لكل الأديان فان معظم الأقليات الدينية انتقدت قوانين الأحوال الشخصية العراقي حيث ان النسب يعود للأب وتسجل الولادات من مجهول وأم غير مسلمة على أنه مسلم وهذا القانون ينطبق على المسيحيين والصابئة المندائيين واليزيديين وغيرهم.

الباحث في الشأن اليزيدي خضر دوملي تحدث لمجموعة نافانتي "هذا الموضوع لا يتعلق باليزيديين فقط بل كل المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش. فهنالك ما يقدر بألفي طفل في الموصل وألف تقريباً في مدينة الرمادي وكذلك أرقام مشابهة في الحويجة والفلوجة ممن هم من مجهولي الأب ولكن يتم التستر على الموضوع حتى لا يتعرضون للمسالة القانونية حول ارتباطاتهم بداعش وتتملص الحكومة العراقية بالتطرق إلى هذا الموضوع لأنهم حسب القوانين العراقية لا يستطيعون معالجتها ويمكن أن تستخدم هذه القضية في تغذية الصراع الطائفي في العراق".

الفقرة الثانية من المادة الثانية من الدستور العراقي ينص على أن "هذا الدستور يضمن الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين واليزيديين والصابئة الندائيين" وهذا يتعارض مع المادة ٢٦ من قانون البطاقة الوطنية الصادرة عام ٢٠١٦ والتي تنص على ان "يتبع الأولاد القاصرون في الدين من اعتنق الدين الإسلامي من الابوين"

بالنسبة لليزيديين فإن هذه القضية لها تأثيرات اجتماعية عميقة ففي هذه الحالات فإن الأطفال القاصرين المولدين لأباء مجهولين من عناصر/مقاتلي داعش يعتبرون مسلمين قانوناً وهذا ما لا يمكن ان يتقبله مجتمع محافظ مغلق مثل المجتمع اليزيدي.

يقول السيد دوملي "إذا كانت هناك سيدة يزيدية وكان لها طفلان وأنجبت طفلين أخريين من مقاتل داعشي ولكونهم قاصرين ومجهولي النسب فإنهم حسب القانون يتم تسجيلهم مسلمين وبهذا تصبح جميع افراد العائلة مسلمين" وأضاف "ما فعله مقاتل داعش معهن بالقوة فإن هذا الفعل يتكرر ولكن بالقانون" وقال كذلك "إن المجتمع اليزيدي مجتمع صغير ويمكن القول بأن أغلبهم يعرفون بعضهم البعض بحكم العلاقات العائلية أو العشائرية فإذا أراد شخص أن يربي طفل مجهول النسب لا يمكنه ان يخفي الأمر عن بقية الناس أو المجتمع فهنا سيكون اصطدام مع التقاليد والأعراف الاجتماعية حيث يمكن أن يكون آباء هؤلاء الأطفال قد شاركوا في عمليات القتل و السبي والمذابح الجماعية بالإضافة إلى أن مسألة وصمة العار وهذا بحد ذاته تحدي كبير في مجتمع محافظ."

الحلول

في مبادرة تاريخية لحل مشكلة الناجيات وأطفالهن أصدر المجلس الروحاني اليزيدي بياناً في ٢٤ نيسان ٢٠١٩ وجاء فيها أنه يرحب بجميع الناجيات من قبضة تنظيم داعش. هذا البيان لم يكن بحد ذاته واضحاً بما فيه الكفاية حيث لم يتطرق إلى أطفال هذه النساء من مقاتلي داعش وهذا ما تسبب في انقسام في المجتمع اليزيدي، فمنهم من رفض القرار ومنهم من وجد في القرار حلاً وإن لم يكن كاملاً. وبالتالي فإن الضغوطات التي مارسها رافضي القرار ربما كان السبب الذي أدى بالمجلس الروحاني اليزيدي إلى إعادة النظر في قراره السابق وإصدار بيان آخر في ٢٧ نيسان ٢٠١٩ يوضح بأن قبول الناجيات "لا يعني بتاتا قبول الذين ولدوا نتيجة الاغتصاب".

على كل حال، هناك من يرى حلول أفضل لمعالجة هذه المعضلة على أساس قانوني ومقبول اجتماعياً ولكن يتطلب تعديل أو تغير بعض القرارات من قبل البرلمان والحكومة العراقية وذلك بإعطاء حرية اختيار النسب للطفل المولود نتيجة الاغتصاب، وفي هذه الحالة يحق للشخص أن يسجل الطفل باسمه وحسب معتقده الديني أو في حال عدم رغبته بالقيام بذلك يمكنه أن يسلم الطفل إلى دور رعاية الأيتام التي تتكفل الحكومة بتربيته. ولكن كل هذا لا يحل مشكلة اليزيديين وخاصة في قضاء سنجار ولا يعطي فرصة لعودتهم إلى بيتهم ومجتمعهم فمعظم اليزيديين متفقون على ان حمايتهم وحماية جميع الأقليات في منطقه سنجار وسهل نينوى يتطلب توفير حماية دولية ومحاسبة كل من تعاون مع تنظيم داعش من العشائر السنية في هذه المنطقة والعمل على عودة ٣٠٤٦ مخطوفاً نصفهم من النساء تقريباً مازال مصيرهم مجهولاً بالإضافة إلى إعادة بناء القرى والمدن المدمرة وأخيراً البدء بمصالحة اجتماعية ووطنية كاملة.

فقدان الأمن الغذائي في السودان والآثار الاجتماعية والاقتصادية للتغير المناخي

فقدان الأمن الغذائي في السودان والآثار الاجتماعية والاقتصادية للتغير المناخي

لماذا یسعی بعض الصومالیین للنزوح إلى اليمن…البلد الذی مزقته الحرب؟

لماذا یسعی بعض الصومالیین للنزوح إلى اليمن…البلد الذی مزقته الحرب؟