فقدان الأمن الغذائي في السودان والآثار الاجتماعية والاقتصادية للتغير المناخي

فقدان الأمن الغذائي في السودان والآثار الاجتماعية والاقتصادية للتغير المناخي

بقلم لندسي كارل

في شهر كانون الأول من العام الماضي، أدى رفع أسعار الخبز من قبل حكومة الرئيس (المخلوع) عمر البشير إلى موجة من الاحتجاجات في مدينة عطبرة التابعة لنيل الأزرق. ولكن احتجاجات عطبرة سرعان ما أعطت زخماً للمعارضة الموجودة أصلاً في البلاد للتظاهر ضد نظام الانقاذ العائد للرئيس عمر البشير والمعروف بالفساد والقمع الوحشي والتي كانت قد دعت لتغيره منذ سنين.

لوعدنا بتاريخ السودان، لشاهدنا أن هذه الدولة لها تاريخ طويل في النشاط السياسي، فثورات شعبية حدثت عشرات السنين قبل خلع الرئيس عمر البشير أطاحت هذه الثورات بالنظام العسكري في كل من عام ١٩٦٤ وعام ١٩٨٥.

إن الديناميكية الكامنة وراء الاضطرابات المدنية معقدة لا سيما عندما تكون بالحجم الذي ينتج عنه ثورة ولكن من الواضح أن انعدام الأمن الغذائي بسبب تدابير التقشف والأزمة الاقتصادية في البلد قد لعب دوراً مهماً في الاحتجاجات الأخيرة في السودان.

لقد شكلت كل من الزراعة والغابات وصيد السمك ما نسبته ٪٣٠٫٥ من إجمالي الناتج المحلي للسودان في عام ٢٠١٧ وهي بهذه النسبة حلت بالمرتبة الثالثة عشر عالمياً.

تتعرض البلدان المماثلة للسودان والتي يعتمد اقتصادها اعتماداً كبيراً على الزراعة وصيد الأسماك للخطر بشكل متزايد لأنها تواجه تحديات بيئية متعلقة بالتغير المناخي. ولكن وبشكل متناقض فإن البلدان الأكثر تأثراً بقضايا التغير المناخي هي أيضاً نفس البلدان الأقل استعداداً للتعامل مع هذه التحديات السالفة الذكر حسب المؤشرات التي قامت بجمعها جامعة نوتردام.

نظراً للتغير المناخي الذي ينظر إليه على أنه تهديد مضاعف فيما يتعلق بالسياق الأمني فإن الأمر يستحق القيام بدراسة بعض التغيرات البيئية التي توجهها السودان، كحالة للبحث في أجزاء أخرى من إفريقيا وخاصة منطقة الساحل.

التغيرات والآثار البيئية المتوقعة يتوقع أن يشهد السودان ارتفاع في درجات الحرارة بشكل متوسط قد تصل الى ثلاث درجات مئوية بحلول عام ٢٠٥٠ وعلى الرغم من أن التوقعات تشير إلى ازدياد في هطول الأمطار بنسبة ٤٪ في كل عقد إلا أن هطول الأمطار المتغير وبشكل متزايد قد يعني المزيد من الجفاف والفيضانات المتكررة والتي قد تواجها المناطق الواقعة على ساحل البحر الأحمر.

إن آثار ارتفاع درجات حرارة مياه البحر وارتفاع مستوى سطح البحر بالإضافة إلى العوامل المذكورة أعلاه – لا سيما زيادة متوسط درجة الحرارة والجفاف والفيضانات المتكررة – كل هذا يعتبر من عوامل التصحر. إن هذا النوع من تدهور الأراضي الذي يحدث في المناخات الجافة هو إحدى القضايا البيئية التي يوجهها السودان اليوم وكل هذا مدفوعاً بالتغيرات البشرية. إن التصحر يؤدي إلى انخفاض نسبة الأمطار وانخفاض جودة الأراضي وتحول الأراضي الصالحة للزراعة إلى أراضي عقيمة سواءً في السودان أو في أجزاء أخرى من إفريقيا. وبالإضافة إلى ذلك، فإزالة الغابات والإفراط في الرعي والزراعة والتعدين في آن واحد من الأسباب التي تؤدي إلى تأكل التربة والتي تعد من أهم العوامل المسببة للتصحر والتي يقودها الإنسان.

إن فقدان الأراضي الصالحة للزراعة يهدد سبل العيش على طول الساحل حيث يعتمد حوالي ٧٠٪ من السكان على الزراعة. في عام ٢٠١٥، قال أحد رعاة الماشية لوكالة البي بي سي " لم يعد هناك المزيد من الأشجار، والعشب لم يعد ينمو لذا علينا في سنة أن نذهب للحصول على الكلاء لماشيتنا".

تساهم التغيرات المناخية إلى جانب التصحر بمجموعة من العوامل المعقدة سواء الاجتماعية والاقتصادية كانخفاض انتاج المحاصيل وانخفاض الموارد المائية والهجرة والمنافسة في استخدام الأراضي وحقوق المياه وكل هذه العوامل تؤجج الاضطرابات المدنية والصراعات حيث تتنافس الفئات الضعيفة مثل الرعاة والمزارعين على الموارد الشحيحة.

بالإضافة الى ذلك، فإن هذه المشكلات ذات طابع عابر للبلدان وعلى سبيل المثال، استثمر كل من الخليج الفارسي ودول الشرق الأوسط الأخرى والتي تبحث عن أمن غذائي بشكل أكبر في الصناعات الزراعية في الدول التي تعاني من ضائقة اقتصادية مثل السودان ومصر ودول القرن الإفريقي التي تحتاج الى النقد الأجنبي. ومع ذلك، فقد أدى ذلك الى زيادة المخاوف من تأثير هذه الاستثمارات على الأمن الغذائي والمائي في هذه البلدان وتزايد الغضب المحلي على استخدام الأراضي والتي ساهمت في انتفاضة الشعب في السودان.

أما على الصعيد العالمي، فقد دفعت هذه العوامل بمدير مكتب الاستخبارات الوطني الأمريكي إلى خلاصة أن تغير المناخ يمكن أن يكون له آثار عميقة على استقرار البلدان من خلال التهديدات والتوترات الاجتماعية والسياسية المتصاعدة وتقلبات أسعار المواد الغذائية ومدى توفرها والآثار السلبية على الاستثمار والقدرة التنافسية على الاقتصاد. هذه المخاطر يتم تحديد نتائجها حسب النتائج المتوقعة والتي قد تحدث بسبب تغير المناخ على عالمنا، ولكن مع وجود كل هذه التغيرات المتنوعة لا يزال هناك قدر كبير من عدم اليقين.

إن التحديات البيئية في السودان وما يرتبط بها من آثار اجتماعية واقتصادية تعتبر نافذة لأفق أوسع عبر إفريقيا مع استمرار ملاحظة التأثيرات المتزايدة على التغير المناخي في العقود المقبلة. وإن فهم الطرق التي تتفاعل بها هذه القضايا مع المظالم الأخرى، مثل عدم المساواة والقمع السياسي سوف يصبح أداه أكثر أهمية لتحديد المخاطر التي تهدد الاستقرار.

أطفال داعش معضلة إنسانية: جيل بدون هوية

أطفال داعش معضلة إنسانية: جيل بدون هوية