الضرورة هي أم إعادة الابتكار ... كيف يمكن للاجئين الاستفادة من المهارات المهنية للبدء من جديد

الضرورة هي أم إعادة الابتكار ... كيف يمكن للاجئين الاستفادة من المهارات المهنية للبدء من جديد

غالباً ما نقرأ مقالات في وسائل الإعلام عن النجاحات التي يحصدها اللاجئين وطالبي اللجوء خلال اندماجهم في بلدانهم الجديدة: امرأة شابة تحصل على علامات مثالية وتتخرج في المرتبة الأولى في فصلها في الجامعة، أو شاب مغامر يفتح مطعماً يقدم فيه وصفات من المأكولات تعود إلى مسقط رأسه. ولكن في نفس الوقت قصص النجاحات الفردية هذه يجب ألا تحجب الصعوبات التي يواجها اللاجئون وطالبو اللجوء خلال مرحلة التكيف مع الحياة الاجتماعية والاقتصادية في البلدان المضيفة لهم، وخاصة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. بالنسبة للعديد من الأشخاص لا يمكنهم الاستفادة من مؤهلاتهم العلمية أو المهنية في الدول المضيفة وإنما عليهم إجراء تعديل على هذه الشهادات بما يتوافق مع أنظمة وقوانين البلد المضيف والتي قد تكون صعبة وتتطلب مدة طويلة بالإضافة إلى أجور مثل هذه التعديلات والتي ليس بمقدور طالبي اللجوء القيام بها خصوصاً في ظرفهم الحالي. وبالتالي، ينتهي بهم الحال إلى شغل وظائف أقل بكثير من مستويات مهاراتهم أو يقوموا بتبديل وظائفهم بالكامل؛ بالنسبة لقسم آخر، يمكن أن تشكل عوائق اللغة وثقافة البلد المضيف عقبات أخرى أمام هؤلاء الأشخاص من أجل الاندماج بالحياة الاجتماعية والاقتصادية بشكل مطلق. تعتبر هذه الحواجز أو العقبات عائقاً بالنسبة للجميع ولكنها تعتبر بوجه الخصوص مرهقة بالنسبة للأفراد الأكبر سناً والذين تعتبر مهاراتهم أقل طلباً في سوق العمل بالإضافة إلى بذلهم جهود كبيرة من أجل إقامة روابط اجتماعية ومهنية في البلد المضيف.

جئت أنا شخصياً إلى الولايات المتحدة كلاجئ وأعرف بشكل دقيق ومباشر كيف يكون شعور المرء عندما يكون مجبر على ترك حياة كاملة خلفه عاشها بكل تفاصيلها مع كل ما تتضمنه هذه الحياة التي عرفها وعاشها من أي وقت مضى والغطس في المجهول وراء فكرة أو حلم بسيط وهو اللجوء إلى مكان آخر الحلم منه أن يكون أفضل أو على الأقل يشعر فيه الشخص أنه بإمكانه البدء بفصل جديد من حياته. في حالتي، كانت شهادة القانون الحاصل عليها من جامعة حلب في سوريا عديمة الفائدة نسبياً في الولايات المتحدة من أجل ممارسة القانون، كنت بحاجة إلى سنتين على الأقل من الدراسة لاجتياز امتحان المحاماة في حال رغبة في ممارسة مهنة المحاماة هنا، وهو خيار لم يكن مطروحاً بالنسبة لي في ذلك الوقت. لذلك عندما وصلت مع عائلتي في عام ٢٠١٣، كان عليّ أن أتخلى عن مسيرتي المهنية وأن أغير مهنتي وأبدأ من الصفر فعلياً. بدأت العمل في دويتشه بنك، بوظيفة تتناسب مع خلفيتي ومهاراتي الدولية، قبل انضمامي إلى مجموعة نافانتي بعد عدة سنوات.

كلية_الحقوق_-_جامعة_حلب_16.jpg

كنت من الأشخاص القلائل المحظوظين، كون أن سياسات وأنظمة البلد المضيف يمكن أن تجعل من تأمين فرص العمل للاجئين شبه مستحيلة. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، لا يمكن للشخص الذي يلتمس اللجوء العمل إلا بعد مرور ١٥٠ يوماً من تاريخ تقديم الطلب سواء تم الرد على طلبه أو لم يتم. وهنا تبدأ المعضلة؛ كيف يمكنك للشخص البقاء لمدة ١٥٠ يوماً من دون دخل في هذه المرحلة التي هو بأمس الحاجة للدخل من أجل العيش؟ في فرنسا مثلاً، يشكو اللاجئون من قلة دروس اللغة الفرنسية أو البرامج التأهيلية التي تساعدهم في العثور على عمل أو تدريب مهني، مما يدفع الكثيرين لمواصلة الدراسة في المملكة المتحدة على أمل الحصول على وظيفة.

في بعض الأحيان، تكون النوايا الحسنة لسكان البلد المضيف هي كل ما يتطلبه الأمر لمنح اللاجئ القدرة على الوقوف على أقدامهم والبدء من جديد. لقد وصل صديق لي سوري يدعى سامر، وهو طبيب أسنان، إلى فرنسا بعد بدء الصراع في سوريا لم يكن في جعبة سامر أي فكرة كيف سوف يبدأ بكسب عيشه من جديد، على حد تعبيره. حيث أن فرنسا لا تهتم بأطباء الأسنان الأجانب، مما يدفع الوافدين الجدد أمثال سامر الدخول في عملية إعادة تدريب طويلة قد تتضمن حتى إعادة درجة البكالوريوس أي إعادة الدراسة من جديد كلياً. لكن سامر كان محظوظاً بما فيه الكفاية عندما تعرف على أستاذ في المختبر الطبي بجامعة نانت، حيث قام بمساعدته وتوجيهه خلال عملية التقديم لبرنامج الماجستير في علم الأحياء، ومنحه فترة تدريب ضمن مختبره، ثم قام بتزكيته في برنامج الدكتوراه في العلاج الجيني.

Ile_de_Nantes.JPG

قال سامر: "إن الله، أو الحظ، أو ما تريد أن تسميه قد أرسل لي أشخاصاً طيبين، ومن خلالهم تمكنت من تغيير تخصصي إلى شيء كنت أسمع عنه فقط في التلفاز".

"على الرغم من أن فرنسا لا تملك حقاً البنية التحتية لاستضافة [اللاجئين] مقارنة بالدول الأخرى ... ولكن الكثير من الناس يرغبون في المساعدة، وفتحوا قلوبهم وأبوابهم".

"لقد جعلني أصدق أنه لا يزال هناك شيء جيد على هذه الأرض" يواجه المهاجرون في منتصف العمر وكبار السن معركة أشد من خلال محاولتهم الاندماج ضمن القوى العاملة في البلد المضيف. إن الكثير من الناس في هذه الفئة العمرية لديهم معرفة قليلة جداً بلغة البلد المضيف ولا يهتمون بتعلمها بشكل فعلي بما يتجاوز استخدامهم لها ضمن تنقلاتهم أو حاجاتهم اليومية، مثل الشراء من محلات البقالة في السوق المحلية. ونتيجة لذلك؛ لا يمكن لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات الغير حكومية التي تعنى في دمج اللاجئين وطالبي اللجوء من تقديم المساعدة لتحسين نوعية حياتهم في حال عدم وجود الرغبة من قبلهم في تعلم اللغة أو تكريس أنفسهم لعملية الاندماج. وثمة مسألة أخرى مهمة؛ وهي أن المنظمات التي تقدم الدعم للاجئين تميل إلى تجاهل كبار السن لصالح بعض المجموعات التي تعتبر أولوية قصوى.

"بشكل عام، يتم وضع اللاجئين الأكبر سناً في الجزء الأسفل من قائمة الانتظار ويتم تجاهلهم بواسطة برامج المساعدات المقدمة من قبل المنظمات أو الحكومات المستضيفة بسبب الافتراضات القائمة والتي تعتبر أن احتياجاتهم أقل أهمية من احتياجات مجموعات أخرى من المهاجرين القسريين المستضعفين مثل الأطفال"، وفقاً لدراسة صادرة عن مجلة هيلينك اليونانية لعلم النفس في شهر كانون الثاني من عام ٢٠١٠. "حتى الآن، لم يكن هناك سوى القليل من الأبحاث حول تجارب كبار السن في البلدان المستضيفة على الرغم من أن الأدلة فيما يتعلق بالمهاجرين المسنين تصورهم على أنهم من بين أكثر الفئات المحرومة والمستبعدة اجتماعياً التي تعيش في البلدان المتقدمة".

بالإضافة إلى ذلك، يفتقر كبار السن إلى نفس المستوى من الطموح المهني الذي يتمتع به المهاجرون الشباب. تخيل نفسك أستاذ جامعي قديم أو عالم أبحاث قضى حياته بأكملها في بناء مستقبل مهني فقط ليبدأ الآن من نقطة الصفر، في بلد لا تحسب أو تصنف فيه مهاراته وخبراته بشيء. أين هو الشعور بالكرامة في مثل هذه الظروف؟ فالمرء لا يشعر بالقيمة من دون كرامة، ومن دون شعور بالقيمة، كيف يمكن للمرء أن يشعر بالمساواة أو أن يكون قادر على الاندماج؟

مع كل الصعوبات التي يواجها المهاجرين الجدد، سأكون مقصراً ومجحفاً إذا لم أقل أن أولئك الذين لديهم فرصة للهجرة إلى بلد جديد هم محظوظون للغاية مقارنةً مع الملايين من الرجال والنساء والأطفال اللذين مازالوا في مناطق الحروب أو يعيشون تحت وطأة حكومات قمعية وغير قادرين على الهروب. ومع ذلك، بالنسبة لأولئك الذين نجحوا في القيام برحلة الهجرة والوصول إلى بر الأمان، يتعين على الدول المضيفة لهم أن تصدر قوانين وسياسات تسهل الاستفادة من مهارات وخبرات هؤلاء الوافدين الجدد المهنية والتعليمية التي حصلوا عليها في موطنهم الأم. فإن القيام بذلك لن يخفف من الأعباء النفسية الهائلة على الوافدين حديثاً فحسب، بل سيسمح أيضاً للبلدان المضيفة بالاستفادة من الخبرات والمهارات التي يستقدمها هؤلاء الوافدين معهم عند البحث عن موطن جديد.

لماذا تتراجع الهجرة الى الصين مع تزايد العلاقات الخارجية؟

لماذا تتراجع الهجرة الى الصين مع تزايد العلاقات الخارجية؟

فقدان الأمن الغذائي في السودان والآثار الاجتماعية والاقتصادية للتغير المناخي

فقدان الأمن الغذائي في السودان والآثار الاجتماعية والاقتصادية للتغير المناخي